العيني
87
عمدة القاري
سنة ثمان وعشرين ، وقال ابن زيد : سنة سبع وعشرين ، وقيل : بل كان ذلك في خلافة معاوية على ظاهره ، والأول أشهر ، وهو ما ذكره أهل السير ، وفيه : هلكت ، وقال الكرماني ، رحمه الله تعالى ، واختلفوا في أنه متى جرت الغزوة التي توفيت فيها أم حرام ؟ فقال البخاري ومسلم : في زمن معاوية ، وقال القاضي : أكثر أهل السير أن ذلك كان في خلافة عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، فعلى هذا يكون معنى قولها : في زمن معاوية ، زمان ، غزوة معاوية في البحر ، لا زمان خلافته ، وقال ابن عبد البر : إن معاوية غزا تلك الغزوة بنفسه . انتهى . قلت : كان عمر ، رضي الله تعالى عنه ، قد منع المسلمين من الغزو في البحر شفقة عليهم ، واستأذنه معاوية في ذلك فلم يأذن له ، فلما ولي عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، استأذنه فأذن له . وقال : لا تكره أحداً ، من غزاه طائعاً فاحمله ، فسار في جماعة من الصحابة منهم أبو ذر وعبادة بن الصامت ومعه زوجته أم حرام بنت ملحان وشداد بن أوس وأبو الدرداء في آخرين ، وهو أول من غزا الجزائر في البحر ، وصالحه أهل قبرس على مال ، والأصح أنها فتحت عنوة ، ولما أرادوا الخروج منها قدمت لأم حرام بغلة لتركبها فسقطت عنها ، فماتت . هنالك ، فقبرها هنالك يعظمونه ويستسقون به ، ويقولون : قبر المرأة الصالحة . قوله : ( حين خرجت من البحر ) ، أراد به حين خروجها من البحر إلى ناحية الجزيرة ، لأنها دفنت هناك . ذكر ما يستفاد منه : فيه : جواز دخول الرجل على محرمه وملامسته إياها والخلوة بها ، والنوم عندها . وفيه : إباحة ما قدمته المرأة إلى ضيفها من مال زوجها ، لأن الأغلب أن ما في البيت من الطعام هو للرجل ، قال ابن بطال : ومن المعلوم أن عبادة وكل المسلمين يسرهم وجود سيدنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم في بيته ، وقال ابن التين : يحتمل أن يكون ذلك من مال زوجها لعلمه أنه كان يسر بذلك ، ويحتمل أن يكون من مالها ، واعترضه القرطبي فقال : حين دخوله صلى الله عليه وسلم على أم حرام لم تكن زوجاً لعبادة ، كما يقتضيه ظاهر اللفظ ، إنما تزوجته بعد ذلك بمدة ، كما جاء في رواية عند مسلم : فتزوجها عبادة بعد . وفيه : جواز فلي الرأس وقتل القمل ، ويقال قتل القمل وغيره من المؤذيات مستحب . وفيه : نوم القائلة ، لأنه يعين البدن لقيام الليل . وفيه : جواز الضحك عند الفرح ، لأنه صلى الله عليه وسلم ضحك فرحاً وسروراً بكون أمته تبقى بعده متظاهرين ، وأمور الإسلام قائمة بالجهاد حتى في البحر . وفيه : دلالة على ركوب البحر للغزو ، وقال سعيد بن المسيب : كان أصحاب النبي ، صلى الله عليه وسلم يتجرون في البحر ، منهم : طلحة وسعيد بن زيد ، وهو قول جمهور العلماء إلاَّ عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز ، رضي الله تعالى عنهما ، فإنهما منعا من ركوبه مطلقاً . ومنهم من حمله على ركوبه لطلب الدنيا لا للآخرة ، وكره مالك ركوبه للنساء مطلقاً ، لما يخاف عليهن من أن يطلع منهن أم يطلعن على عورة ، وخصه بعضهم بالسفن الصغار دون الكبار ، والحديث يخدش فيه . فإن قلت : روى أبو داود من حديث ابن عمر ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( لا يركب البحر إلاَّ حاجاً أو معتمراً أو غازياً ، فإن تحت البحر ناراً ، وتحت النار بحراً ) . قلت : هذا حديث ضعيف ، ولما رواه الخلال في ( علله ) من حديث ليث عن مجاهد عن عبد الله بن عمر يرفعه ، قال : قال ابن معين : هذا عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، منكر . وفيه : إباحة الجهاد للنساء في البحر ، وقد ترجم البخاري لذلك ، على ما سيأتي . وفيه : أن الوكيل أو المؤتمن إذا علم أنه يسر صاحب المنزل فيما يفعله في ماله جاز له فعل ذلك ، واختلف العلماء في عطية المرأة من مال زوجها بغير إذنه ، وقد مر هذا في الوكالة . وفيه : أن الجهاد تحت راية كل إمام جائز ماضٍ إلى يوم القيامة . وفيه : تمني الغزو والشهادة حيث قالت أم حرام : أُدْعُ الله أن يجعلني منهم . وفيه : أنه من أعلام نبوته وذلك أنه أخبر فيه بضروب الغيب قبل وقوعها ، منها : جهاد أمته في البحر ، وضحكه دال على أن الله تعالى يفتح لهم ويغنمهم . ومنها الإخبار بصفة أحوالهم في جهادهم ، وهو قوله : ( يركبون ثبج هذا البحر ) ، ومنها قوله لأم حرام : أنت من الأولين ، فكان كذلك . ومنها : الإخبار ببقاء أمته من بعده ، وأن يكون لهم شوكة ، وأن أم حرام تبقى إلى ذلك الوقت ، وكل ذلك لا يعلم إلاَّ بوحي علي أوحي به إليه في نومه . وفيه : أن رؤيا الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، حق . وفيه : الضحك المبشر إذا بشر بما يسر ، كما فعل الشارع . قال المهلب : وفيه : فضل لمعاوية وأن الله قد بشر به نبيه صلى الله عليه وسلم في النوم ، لأنه أول من غزا في البحر وجعل من غزا تحت رايته من الأولين . وفيه : أن الموت في سبيل الله شهادة ، وقال ابن أبي ( شيبة ) : حدثنا يزيد